الشيخ عبد الغني النابلسي
454
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ونصفها الثاني للعبد باعتبار اشتمالها على الدعاء والسؤال منه تعالى كما ورد هذا في الخبر الصحيح الذي تكلم به النبي صلى اللّه عليه وسلم عن اللّه تعالى أنه سبحانه قال قسمت الصلاة ذات الركوع والسجود باعتبار قراءة الفاتحة فيها بيني وبين عبدي المصلي نصفين فنصفها الأوّل من كل ركعة منها لي ونصفها الثاني كذلك لعبدي ومع ذلك لعبدي ما سأل ، أي أجيبه في كل ما دعاني به فيها . وبيان ذلك أنه يقول العبد في الصلاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ / ( 1 ) يقول اللّه تعالى عند ذلك ذكرني عبدي فكل من غاب عن قوله ذلك بنفسه في الصلاة وشهد قيومية الحق تعالى عليه في جميع شؤونه تلك ، سمع بأذن قلبه قول الحق تعالى : ذكرني عبدي ، فكشف له أن قوله هو عين قوله تعالى ، بزوال النسبة وانقلاب الشؤون كما قال سبحانه : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] ثم خاطب عقل العبد وإيمانه بقوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) [ الرحمن : 13 ] من التباس الحس عليكما وبعد الحقيقة عنكما . وهكذا بقية أحوال الصلاة وقد أخبرني بعض من اجتمعت به أنه كان إذا صلى سمع الحق تعالى يقول ذلك من أوّله إلى آخره على طبق هذا الحديث . وكان رجلا من ضعف الحال رحمه اللّه تعالى . يقول العبد : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) يقول اللّه تعالى بعين قول عبده لذلك عند من يسمعه اللّه تعالى كما قال سبحانه : و اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ فاطر : 22 ] حمدني عبدي ، أي شكرني يقول العبد الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تعالى كذلك أثنى علي عبدي ، أي مدحني بالرحمة العامة والخاصة يقول العبد : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) ، أي يوم القيامة يقول اللّه تعالى بذلك مجدني ، أي ذكر مجدي وفخري وجاهي عبدي أو يقول : فوّض إلي عبدي ، أي اتكل في جميع أموره على قدرتي وإرادتي فهذا النصف من الصلاة باعتبار قراءتها كما ذكرنا كله للّه تعالى خالص ليس فيه ذكر العبد أصلا . ثم يقول العبد في النصف الثاني إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) يقول اللّه تعالى هذه ، أي المقالة بيني وبين عبدي ، لأن فيها ذكر اللّه تعالى بالخطاب وذكر العبد بالعبادة والاستعانة ولعبدي ما سأل ، أي من قبول عبادته والإعانة له فأوقع تعالى الاشتراك في هذه الآية بينه وبين عبده يقول العبد : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) يقول اللّه تعالى هؤلاء الكلمات كلهن لعبدي لأن فيهن طلب الهداية والوقاية من